"استغفر الله العلي العظيم واتوب اليه"
vendredi 17 mars 2017
السيرة - سيرة الأئمة الأربعة
السيرة - سيرة الأئمة الأربعة - الدرس 2-2 :الإمام أحمد بن حنبل2
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-08-11
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
سؤال ورد :
ما هي الفائدة من طرح دروس الأئمة الأربعة؟
أيها الأخوة الكرام، لازلنا مع الإمام الجليل أحمد بن حنبل، إلا أن أحد الأخوة الكرام سألني: ما الحكمة من هذه الدروس التي تتعلق بالأئمة الأربعة، الذين يكثر الحديث عنهم في كل مجلس علم، وفي كل درس فقه، وفي كل جامعة, وفي كل كلية؟ .
أيها الأخوة، أضرب لكم المثل التالي: إنسان عنده آلة, صنعت عام ألف وتسعمائة وثلاثين، متواضعة جداً، يعمل بها، صاحب هذه الآلة, إن لم يزر معملاً أرقى من المعمل الذي صنعت به، يظن أن هذه الآلة أرقى آلة في العالم، وعندئذٍ لا يطوِّرها، أما حينما يطلع على معامل أحدث، وأكبر، وأسرع، وأدق, وأكثر فائدةً، تصغر آلته في نظره، وهو الآن يصغر معها إن بقي على ما هو عليه .
الإنسان إذا انفتح على الآخرين، واطلع على ما عندهم، قرأ عن العلماء السابقين، المحققين, العاملين، المخلصين، المتبحرين يصغر, إلا أنه الآن يصغر من أجل أن يكبر، أما لو عزل نفسه عن دراسة أحوال العلماء, والفقهاء، والدعاة، والذين رفعوا راية هذا الدين، إذا عزل نفسه عن هؤلاء العظام, يكبر في نفسه، ويظن أنه أكبر الناس، وهو في الحقيقة أصغرهم، فبين أن تصغر لتكبر، وبين أن تتوهم أنك كبير، ولست في الحقيقة كبيراً، لما يخرج الإنسان يتحجم، ولما يتحجم, يرسم هدفًا كبير لنفسه, يسعى إليه .
أحيانا الإنسان يقتدي بهؤلاء العلماء بجرأتهم، بإخلاصهم، بورعهم، بتواضعهم، بتعففهم، بتقشفهم، بزهدهم، بصدق توكلهم، بحرصهم على رضاء الله عز وجل، يقتدي بهم، والإنسان أحياناً يستفيد من خبرات الآخرين، من هو العاقل؟ هو الذي لا يجعل من نفسه ضحيةً لمعلوماته، قد تتعلم فكرةً أو حقيقةً على حساب نفسك, فأنت الضحية، إذًا: تعلمت بعد أن ضحيت، أما العاقل يستفيد من خبرات الآخرين, لهذا قالوا: السعيد من اتعظ بغيره, والشقي لا يتعظ إلا بنفسه .
إذاً: نحن مع الانفتاح لا مع الانغلاق، مع الإطلاع لا على التقوقع, مع التعاون لا مع التنافس، مع أن تكون جندياً في جيش، لا أن تتوهم أنك قائد جيش، ولا يوجد جيش إطلاقاً .
ثقة الناس بابن حنبل :
أثمن شيء قد تمتلكه هو ثقة الناس
أيها الأخوة، ما زلنا مع الإمام أحمد بن حنبل، عن سليمان بن حرب أنه قال لرجل:
((سل أحمد بن حنبل ما يقول في مسألة كذا، فإنه عندنا إمام))
فأحمد بن حنبل ما الذي اكتسبه؟ اكتسب ثقة الناس، وصدقوني أن أثمن شيء تمتلكه ثقة الناس، لأنهم إذا وثقوا فيك, أمكنك أن توجههم، وأمكنك أن تعلمهم، وأمكنك أن ترعاهم، فلذلك أعيد وأكرر ألف تصرف ذكي وحكيم ودقيق يشد الناس إليك، لكن تصرفًا واحدًا أحمق ينفرهم منك، ولعل في الآية الكريمة خير مؤيد لهذه الفكرة، قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 159]
بسبب الرحمة التي استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، بهذا اللين اجتمعوا نحوك ، انضموا إليك، وثقوا بك، جعلوك قدوةً لهم، جعلوك أسوةً لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب، لو لم تستقر الرحمة في قلبك, لكان مكان الرحمة القسوة, إذاً: لانفضوا من حولك، فاعفُ عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الأمر .
الناس ليسوا أغبياء، من ظن أن الناس أغبياء, فهو وحده الغبي، الناس يعرفون الحق من الباطل، يعرفون المخلص من غير المخلص, يعرفون الصادق من الكذاب، يعرفون المنتفع من عمل ما من غير المنتفع، ويعرفونه بحدسهم .
في بعض الدول الأجنبية نظام المحلفين، نأخذ من الطريق خمسين رجلاً لا على التعيين من حِرَفٍ متنوعة، ومن ثقافات متنوعة، نعرض عليهم قضية قضائية معقدة، نقول لهم : ما رأيكم؟ رأيهم رأي الفطرة، رأيهم رأي بسيط، لكنه صادق، القاضي أحياناً يعرض القضية على خمسين محلفاً، وهؤلاء يدلون بآرائهم، وفي الأعم الأغلب تأتي آراؤهم صحيحة، لأنهم ليسوا مع هؤلاء، وليسوا مع هؤلاء، لا يتعرضون إلى ضغوط شديدة, فتغيِّرَ مجرى أحكامهم .
إليكم محتوى هذه الفقرة :
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول:
((قدمت صنعاء أنا ويحيى بن معين ، فمضيت إلى عبد الرزاق في قريته، وتخلف يحيى، فلما ذهبت أقرع الباب, قال لي جارٌ له بقّالٌ: لا تدقَّ الباب، فإن الشيخ يهاب، -عندنا الإمام النووي من نوى، أبو سليمان الداراني من داريا، يوجد علماء اشتهرت القرية التي ولدوا فيها، النيسابوري من نيسابور، أكثر العلماء الكبار كانوا من قرى، ولكن هذه القرى أصبحت علماً في تاريخ العلم- .
قال: فجلست حتى إذا كان قبل المغرب خرج, فوثبت وقبَّلتُ يديه، وفي يدي أحاديث انتقيتها، فسلمت عليه، وقلت: حدثني بهذه يرحمك الله، فإنني رجل غريب، قال: ومن أنت؟ قال: أنا أحمد بن حنبل, فتقاصر وضمَّني إليه، وقال: بالله, أنت أبو عبد الله ؟! ثم أخذ الأحاديث، وجعل يقرؤها حتى أظلم الليل، فقال للبقال: هلم المصباح، وكان عبد الرزاق يؤخر صلاة المغرب))
إن تواضعت لله رفعك
فالمقصود: أين وصل صيته؟ إلى صنعاء، حيث استقبله هذا العالم الجليل، وتقاصر أمامه.
فكن كما يرضي الله عز وجل، واترك الأمر لله، فإنّ الله عز وجل هو الذي يرفعك ، فلا ترفع نفسك، إن رفعتها خفضك الناس، أمّا إن تواضعت لله, رفعك الله عز وجل، عندنا آية بهذا المعنى:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[ سورة الشرح الآية: 1-4]
ترى علماء كبارًا؛ هذا أصله قصاب، وهذا نجار، هذا دولاتي، نسمع بعالم كان يعمل (دولاتيًا)، فلما توفي مشى في جنازته أكثر من ألف إنسان، ورفعنا لك ذكرك، وكل آية تتوجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام لكل مؤمن منها نصيب, بقدر إيمانه واستقامته، إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً, ويضع به آخرين، وهذا حقٌّ وصدقٌ .
انظر إلى هذا الموقف من إسماعيل :
قال بعضهم: أخبرني عبد الله بن المبارك، وكان شيخاً قديماً، قال:
((كنت عند إسماعيل، فتكلم إنسان بشيء, فضحك بعضنا، وثَمَّ أحمد بن حنبل, قال: فأتينا إسماعيل, فوجدناه غضبان، فقال: أتضحكون وعندي أحمد بن حنبل؟))
انظرْ إلى العلماء الصادقين، إنهم ملوك .
وهنا نقطة مهمة: إنّ الأقوياء في الأرض ملكوا الرقاب، بإشارة يحركون ملايين الناس، أما الأنبياء فقد ملكوا القلوب، وشتان بين أن تملك الرقاب، وبين أن تملك القلوب .
زارنا ضيف من دولة آسيوية، فالذي رافقه, اعتذر له, أن المطاعم مغلقة اليوم، لأنه يوم عيد مولد رسول الله، قال هذا الرجل: من كم سنة ولد؟ فقال له: من ألف وخمسمائة عام، فصعق, هل من المعقول أنّ إنسانًا من ألف وخمسمائة عام لا تزال ذكراه عطرة في قلوب الناس؟ الأنبياء ملكوا القلوب، أنت يكفي أن تقف أمام قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وتنظر إلى مئات الألوف الذين يمشون أمام قبره ويبكون، ماذا أعطاهم هذا الإنسان, ولم يشاهدوه؟ ماذا أعطاهم؟ هل أعطاهم المال؟ كماله رفعه .
انظر إلى عظمة أحمد في قلب يزيد بن هارون :
من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم
قال بعضهم:
((ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشد تعظيماً منه لأحمد بن حنبل, ولا أكرم أحداً مثله، كان يقعده إلى جنبه, ويوقره, ولا يمازحه))
أخوانا الكرام، إن من إجلال الله تعالى: إكرام ذي الشيبة المسلم، إنسان مسلم, وقور, مستقيم، هل تصدق أنك إذا أكرمته, فكأنك أكرمت الله عز وجل؟ مجتمع المؤمنين مجتمع منضبط، مجتمع فيه محبة، فيه توقير، فيه احترام، فيه مهابة .
والله مرة دخلنا إلى بيت, أذكر ذلك كثيراً، أحد أخواننا أحب أن يشتري بيتًا، فقال لي: هل تذهب معي لتشاهد البيت؟ قلت له: نعم، دخلنا إلى غرفة, فيها جهاز اللهو, مفتوح على مسلسل، وأمامه ولد مستلقٍ على ظهره، رجلاً فوق رجل, يتابع المسلسل، دخلت أنا، ومعنا اثنين، فلم يتحرك، ما هذا الأدب؟ أين أخلاق المسلمين؟ .
النبي الكريم رأى شاباً يمشي أمام شيخ، فقال له:
((من هو؟ قال: أبي، قال: لا تمشِ أمامه، ولا تقعد قبله، ولا تناده باسمه))
لنا أخ أرسلوه في بعثة إلى فرنسا في دورة تدريبية، قال لي: أحببت أن أتعلم البراتيك، وقف على نهر السين، ووجد شابًا هائمًا، يتعلق نظرُه بمياه النهر، فسأله عن اسمه، وعن مشكلته، قال له: آه, لي في الحياة أمنية واحدة، قال له: ما هي؟ قال: أن أقتل أبي، قال له : ولمَ؟ قال: لأني أحب فتاةً فأخذها مني، انظروا إلى هذا الأب، وإلى هذا الابن .
الأب في الإسلام مقدس، هل تصدقون أن الله سبحانه وتعالى ينتظر من عبده أن يذكره كما يذكر أباه؟ فهل ثمّة آية في هذا المعنى؟ قال تعالى:
﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾
[ سورة البقرة الآية: 200]
معنى هذا أنّ الأب مقدس، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾
[ سورة التوبة الآية: 24]
بدأ بالأب، لأنه مصدر الاعتزاز الاجتماعي، أنا ابن فلان، وفي الفقه قضية تحيِّر الناس، وهي أنّ الابن إنْ مات في حياة أبيه، فأولاد هذا الابن المتوفى لا يرثون شيئاً، كيف؟ لكن فات هؤلاء حكمة الشارع العظيم، والنبي قال:
((العم والد))
لو أن هذا الأب نصيبه خمسون ألفًا، والأعمام أعطوا أولاد المتوفى خمسين ألفًا وانتهى الأمر، فالشرع قال: لا، الابن الذي يموت في حياة أبيه لا يأخذ شيئاً، لكن أعمام أولاده الصغار, مكلفون برعاية أولاد أخيهم, حتى نهاية الحياة، وهذا أفضل وأكمل، ولكن الناس الآن أكثروا في قطع الأرحام، ويجري العمل شرعًا بالوصية الواجبة، أما الأكمل أن العم والد، وعليه رعايتهم، وليأخذ هو الخمسين ألفًا من الميراث .
أقوال شتى :
يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمه دينها
يقول عبد الرزاق:
((ما رأيت أحداً أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل، وما رأيت مثلَه، وما قدم علينا مثلُه))
ربنا عز وجل يبعث على كل مائة عام, مَن يجدِّد لهذه الأمة دينها، وليس معنى هذا أنه واحد، لكن (مَن) تعني أكثر من واحد، وفي كل بلد, هناك رجل مجدِّد، كلما فرغ الدين من مضمونه، وبقي منه الطقوس، والشكليات، والحركات، والاحتفالات، والأناشيد، والولائم، والمزاهر، والكلابيات، والمسابح، والعطور، والمسواك، ولكن لا تقوى، ولا استقامة، تدخل إلى محل تجاري تجد: استقم كما أمرت، ومن تاب معك، والحقيقة لا تجد أيّةَ استقامة .
مرة كنت أصلي في مسجد، وهذه القصة قديمة من عشرين سنة، وهذا المسجد في أحد مصايف الزبداني، فمشيت مع رجل يتجه نحو سيارته، فلما وصلت, وكنتُ قد ظننته إنسانًا ملتزمًا, فوجدت امرأة متفلتة أشدَّ التفلت، كيف جمع بين خروج زوجته، وبين ارتياده المسجد؟.
قال يحيى بن معين:
((واللهِ ما تحت أديم السماء أفقه من أحمد بن حنبل، وليس في شرق ولا غرب مثله))
وقال بعضهم:
((أجاب أحمد بن حنبل عن ستين ألف مسألة بأخبرَنا وحدَّثنَا))
ستون ألفاً مسألة أجاب عنها بالأحاديث، أخبرنا وحدثنا، هؤلاء الذين يحملون السنة, أناس عظام جداً ، هؤلاء الذين نقلوا لنا سنة رسول الله, يجب أن نحترمهم احتراماً كبيراً .
قال بعضهم:
((أجمع المسلمون على أحمد بن حنبل، وقال: كنت إذا رأيته خُيِّل إليَّ أن الشريعة لوح بين عينيه))
أي قضية يجبُّ عنها، وحاجة الناس إلى العالم كحاجتهم إلى الهواء، حاجة الناس إلى الدين حاجتهم إلى الهواء, لأنه كتلة من لحم ودم, فيها شهوات, تريد أن تأكل أطيب الطعام، تريد أن تتزوج، تريد أن تعلو في الأرض، فإذا كانت بلا منهج، فالفساد واقع، بلا منهج يعتدي، العدوان من لوازم أي إنسان يتحرك بلا منهج، فالمنهج أساسي .
وإليكم هذا السؤال: طريق كله منعطافات، وعلى اليمين وديان، وعلى الشمال جبال، وفي الطريق نفسه؛ صخور, وتلال، وحفر، فحاجة هذه المركبة إلى مقود ماسَّة وضرورية، وحاجتها إلى سائق حكيم لازمةٌ حتمًا، لمجرد أن يغفل السائق, يقع الحادث لا محالة، ولمجرد أن يتعطل المقود, يقع الحادث وقوعًا حتميًّا، والإنسان في الحياة الدنيا دونَه مزالق كثيرة، النساء مزلق، المال مزلق، التجارة مزلق، الزواج مزلق، النزهة مزلق .
((يمسي الرجل مؤمناً ويصبح كافراً, يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل))
الإمام أحمد حجة الله في خلقه :
قال إسحاق:
((إني لأقيس أحمد إلى كبار التابعين، وهو حجة بين الله وبين عبيده في أرضه، ولا يُدرَك فضلُه))
أخواننا الكرام, هناك نقطة مهمة جداً: في كل مجتمع، في المدرسة، في كل دائرة، ومستشفى، لله عز وجل فيه حجةٌ على بقية الناس، يجعل هناك رجلاً مستقيمًا، والضغوط نفسها، ضِيق الدخل نفسه، القسوة نفسها، المغريات نفسها، ومع ذلك فالمؤمن علَم يطبِّق منهج الله عز وجل في كل مكان، في كل مجتمع، في كل مؤسسة، في كل مستشفى، في كل دائرة إنسان مستقيم .
أحياناً يقولون: في الغابات الكثيفة إذا قلعوا أشجار غابة، أو قلعوا أشجارًا للاستعمالات الخشبية, يُبقُون علامات، وحدودًا بين الأراضي، وربنا عز وجل في كل مجتمع له علامات، فالمؤمن حجة الله على مَن في هذه الدائرة، الكل يأخذون مالاً حراماً، وهو لا يأخذ، بل الدنيا تحت قدمه، أنت أنصحك لوجه الله: كن أنت الحجة، وإياك أن تكون أنت المحجوج .
نبوغ الإمام أحمد :
قال بعضهم:
((لقد كاد هذا الغلام أن يكون إماماً في بطن أمه))
هذا الكلام أسوقه للآباء ، أحياناً يكون للأب طفل؛ فيه تفتح كبير، وذكاء، وطيب، وبراءة، فهذا الطفل له مستقبل كبير، فإياك أن تسوقه وأخوته بعصًا واحدة، إذا توافرتْ في الطفل علائمُ الذكاء, والنجابة, وطلب العلم، وحَفِظَ كتابَ الله صغيرًا، فهذا الطفل يجب أن تكرِّس كل حياتك من أجله، وانتبِهْ فقد يكون داعية كبيرًا، أو مصلحًا اجتماعيًا بارزًا، أو معلمًا جليلاً، وكل هذه الخصائص والأعمال في صحيفتك، أسوق هذه النصيحة للآباء الذين عندهم أبناء متميِّزون، ألمعية، تعلق بالدين .
كرّس حياتك لطفلك الذكي
أجد عندنا كثيرًا من الأخوة الصغار الذين أسمع منهم إجاباتٍ صعبٌ أنْ تُصدَّق، إجابة محكمة دقيقة، بلغة فصيحة، وهم صغار جداً، وهذه علامات نجابة، فكل أب له ابن بهذا المستوى, يجب أن يقف حياته، وإمكاناته, وكل جهوده, من أجل تفجير طاقات ابنه، ليكون امتدادًا له، وليكون خليفة له .
قال بعضهم:
((لقد كاد هذا الغلام أن يكون إماماً في بطن أمه))
وربنا عز وجل له حكمة بالغة، يعطي مؤشرات مبكرة، فترى في الطفل النجيب علائم النجابة في سن مبكرة، نحن يهمنا أن نكشف العبقريات، نكشف الطاقات العالية، نكشف الألمعية في الأبناء، فكل أب يهمل ابنه, والله يعد في حقه مجرماً، لأن الابن أكبر ثروة يملكها الأب, والدليل اسمعوا هذا الحديث:
((خير كسب الرجل ولده))
الإنسان قد يحصل مالاً، يكسب سمعة، تجارة واسعة، مرتبة علمية عالية، ينشئ مسجدًا، يعمر ميتمًا، يؤلف كتابًا، النبي يقول:
((خير كسب الرجل ولده))
اهتم بدين أطفالك وليس دنياهم فقط
من ربّى ولده صغيراً سُرَّ به كبيراً، يدخل على قلب الأب من السرور والبهجة الشيء الكثير, إذا رأى ابنه مؤمناً, مستقيماً، صالحاً، متوازناً، ممّا لا سبيل إلى وصفه, وإذا اختار أن يغترب إلى بلاد المشركين ، واكتشف أن لابنته صاحباً، أو أن ابنه ينحرف انحرافاً خطيراً، أو انحرافاً شاذاً، يدخل على قلبه من الألم ما لا سبيل إلى وصفه، فالآباء إذا أرادوا أن يسعدوا, فعليهم بتربية أبنائهم على القيم الإسلامية، وإذا أرادوا أن ينجوا من الكآبة, فليُرَبُّوا أبناءهم تربية رشيدة حكيمة، لذلك هناك مثل بسيط في التعليم .
إذا كان لدى الطالب امتحان في هذا الكتاب، فيمكنه أنْ يستلقي، ويقرأه تصفحًا، فإذا أمكن أن نعطي للجهد وحدات, نقول: لقد بذل جهداً في قراءة هذه الكتاب، فالقراءة الأولى بنسبة خمسة بالمائة، بعد أن ينتهي من قراءته, لم يذكر ولا كلمة منه، وكأنه لم يقرأه، أما إذا جلس على طاولة، وأمسك بيده قلم رصاص، ولخص كل فكرة، ووضع خطًّا تحت الأفكار الرئيسية، ووضع أسئلة مقترحة في كل فصل، وأعاد الأفكار، وكتبها، فقدْ بذل خمسة وثمانين بالمائة من الجهد، بمعنى أنه يمكن أن يذكر كلَّ أفكار الكتاب .
الشيء نفسه في تربية الأولاد, يمكن أن تبذل جهدًا بسيطًا في تربية الأولاد، كأنْ يسأل الأبُ ابنَه: هل نجحت يا بني؟ فيقول: نعم، نجحت، تسأل والدَه: في أي صف ابنك؟ يقول: واللِه لا أذكر، ثم يسأل ابنَه: يا بني, أنت في أي صف أنت؟ فلا يعرف ابنه في أي صف هو، نجح أم لم ينجح، هذه مشكلة، أما عندما يكون للأب عناية بالغة، ولاسيما في دين الابن، انظر كيف أنّ أكثر الناس يهتمون بدنيا أبنائهم، ولا يهتمون بدينهم، فإذا أهملوا دين أبنائهم، وتفلَّت أبناؤهم من منهج الله, يشبُّون وهم لا يعرفون حق آبائهم، أحياناً أب يقف حياته كلها من أجل ابنه، فيسافر خارج البلاد، ويتزوج بأجنبية، ويأخذ إقامة دائمة، وينسى أباه وأمه ، وكأن الذي ربّاه ما فعل شيئاً، إذًا: الإسلام منهج كامل .
عطر جلستك بذكر الصالحين :
قال بعضهم:
((إني لأتزين بذكر أحمد بن حنبل))
بصراحة هل يوجد رجل منا ليس له سهرة مع أقربائه، أو لقاء، أو وليمة، أو أمسية، أو نزهة؟ لا تجد إنسانًا إلا وعنده أقل من لقاء أو لقاءين في الجمعة مع أقربائه، هذا اللقاء ماذا ينبغي أن تقول فيه؟ هناك موضوعات تبعث في النفس الضيق، التشاؤم، والسوداوية، وهناك موضوعات تزين المجلس، بل إن عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمات، فحاولْ في كل جلسة أن تحدث الناس عن عالم جليل، له أعمال طيبة، له موقف نبيل، له كرم، له شجاعة، له فصاحة، له قوة منطق، حاول أن تذكر أشخاصاً تفوقوا على أقرانهم, ترى أن الناس تعلقوا بهم, واستبشروا .
والحقيقة: أنّ الإنسان إما أن يرتفع، وإما أن يسقط، إذا حدثتنا عن الساقطين نسقط معهم، وإن حدثتنا عن المتألقين نتألق معهم، إن حدثنا عن أناس انحرفوا, لعل الانحراف يُزَيَّنُ لنا، لذلك اجتهدْ أن تجعل في كل مجلس حديثاً عن الصالحين، وصحابة رسول الله يشغلون قمة القائمة .
ماذا تفهم من هذا القول ؟
قال أحدهم:
((دخلت على ذي النون السجن، ونحن بالعسكر، فقال: على أي حال سيدنا))
يعني أحمد بن حنبل، العظيم عظيم .
دخل السجن قالوا: إذا لسعت الحشرة حصاناً, تبقى الحشرة حشرةً، والحصان حصاناً، لا ينتقص من قدر الحصان أنْ لسعته حشرة، ولا يزيد من قيمة الحشرة أنها لسعت حصاناً، الحشرة حشرة, والحصان حصان، العظيم عظيم لو دخل السجن، فقال: على أي حال سيدنا، يعني أحمد بن حنبل .
إليكم ما قاله الدهلي عن الإمام أحمد :
اقتدِ بشخص تذكرك رؤيته بالله
قال الدهلي:
((جعلت أحمد إماماً فيما بيني وبين الله))
أنت مؤمن تسعى إلى الله، فيجب أن يكون الشخص بينك وبين الله قدوة لك، تسأله فيجيبك، وتقتدي بأفعاله، وتتخلق بأخلاقه، وتأنس بالقرب منه، وتذكِّرك رؤيته بالله، فعن عمر بلفظ:
((خياركم الذين إذا رُؤوا ذُكِر اللهُ بهم))
[أخرجه البيهقي في سننه]
إذا رأى رجل شخصًا شهوانيًّا, تقفز نفسُه إلى الشهوات التي يمارسها، وإذا رأى إنسانًا حجمه المالي كبير, تقفز نفسه إلى بيته, وسيارته، وتجارته، وأرباحه، أما إذا رأيت ولياً لله تذكّرَ اللهَ مباشرةً، عن عمر بلفظ:
((خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله بهم))
[أخرجه البيهقي في سننه]
ما توصل إليه أحمد من العلوم :
قال النسائي:
((جمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث, والفقه، والورع، والزهد، والصبر))
ودائماً إنْ التقينا بإنسان علْمُه دقيق جداً، ولكن معاملته غير راقية, نقول: ليت أخلاقه كعلمه، أحياناً تلتقي بإنسان أخلاقه عالية جداً، لكن معلوماته متواضعة، تقول: ليت علمه كأخلاقه، أما هذا الإنسان فقد جمع بين المعرفة بالحديث، وبين الفقه, والورع، والزهد، والصبر، فهذه هي البطولة, لذلك لا ينصر هذا الدينَ إلا مَن أحاطه مِن كل جوانبه، ورع، وزهد، وصبر، وجرأة، واستقامة, وعلم، ومعرفة، وتحقق .
متى تألق الإمام أحمد ؟
عن المزني قال:
((سئِل عن أحمد بن حنبل: متى تألق؟ فقال: يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلي يوم صفين))
الإنسان قد يتألق بموقف تألقًا رائعًا جداً، سيدنا أحمد بن حنبل تألق يوم المحنة، محنة خلق القرآن .
انظر إلى نصيحة العلماء فيما بينهم :
قال العباس: سمعت أبا جعفر الأنباري, يقول: لما حُمِل أحمدُ بن حنبل, -يراد به المأمون- أُخبِرتُ فعبرتُ الفرات إليه، فإذا هو في الخان، فسلمت عليه، فقال: يا أبا جعفر, تعني -أي أتعبت نفسك- فقلت: ليس هذا عناء، قال: فقلت له: يا هذا, الآن أبو جعفر الأنباري, لما علم أن أحمد بن حنبل, حُمل إلى المأمون, ليعترف أن القرآن مخلوق، وإلا أدخل إلى السجن, أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فو الله إن أجبت إلى خلق القرآن, ليجيبنَّ بإجابتك خلقٌ مِن خلقِ الله كثيرٌ .
في بعض البلاد الإسلامية أفتى عالِمٌ بجواز الفائدة، والإيداع بالبنوك، ففي اليوم التالي أُودِع في البنوك أربعة وثمانون مليارًا، ألم يقل له:
((يا غلام, إياك أن تسقط, قال: بل أنت يا إمام إياك أن تسقط، الغلام قال: إني إنْ سقطتُ سقطتُ وحدي، ولكن إن سقطتَ أنتَ سقط معك العالَم))
بلد إسلامي صدرت فتوى من المفتي بجواز الاستثمار الربوي، فردّ عليه في اليوم التالي ثمانية وعشرون عالماً، لكن الأموال أودعت, وإن لم تُجِب, ليمتنعنّ خلقٌ من الناس كثيرٌ، ومع هذا فإن الرجل –المأمون- إن لم يقتلك، فإنك تموت، ولا بد من الموت، فاتَّقِ الله، ولا تجبهم إلى شيء، فجعل أحمد يبكي، وهو يقول: ما شاء الله، ما شاء الله .
انظر إلى طعام أحمد :
image
قال صالح بن أحمد بن حنبل ابنه الثاني:
((ربما رأيت أبي يأخذ الكسرة, ويجعلها في قصعة، ويصب عليها الماء، ثم يأكلها بالملح))
كان متقشفاً جداً، وكان يأكل من عمل يده، وكان دخله قليلاً، مع كل هذا العلو في الأرض، ومع كل هذه السمعة الطيبة، ومع كل هذا التعظيم, كان فقيراً .
الصفات الخلقية التي يجمعها الإمام أحمد في نفسه :
الحقيقة: أن الحديث عن هذا العالم الجليل حديث يطول، والأقوال فيه كثيرةٌ جداً، قال :
((كان أبو عبد الله لا يجهل، وإن جُهل عليه حلم، واحتمل، ويقول: يكفيني الله، ولم يكن بالحقود ولا العجول، كثير التواضع، حسن الخُلقِ، دائم البشر، لين الجانب، ليس بفظٍّ، وكان يحب في الله، ويبغض في الله، وإذا كان في أمرٍ مِن الدين, اشتد له غضبه، وكان يحتمل الأذى من الجيران))
وفاته :
يقول عبد الله بن أحمد بن حنبل:
((توفي أبي رحمه الله يوم الجمعة ضحوةً، ودفناه بعد العصر, باثنتي عشرة ليلة من ربيع الآخر، سنة إحدى أربعين ومائتين للهجرة، وصلى عليه محمد بن عبد الله بن طاهر، غلبنا على الصلاة عليه، وكنا قد صلينا عليه نحن والهاشميون داخل الدار))
قال:
((مرض أبو عبد الله تسعة أيام، وكان ربما أذِن للناس, فيدخلون عليه أفواجاً، يسلمون عليه, ويردُّ بيده، وتسامع الناس، وكثروا، فأغلق الباعة دكاكينهم))
وقد قيل:
((مشى في جنازته أكثر من ثمانمئة ألف))
خاتمة الدرس :
أيها الأخوة، الناس بعلمائها، والعلماء بورعهم، ولا يكون العالم عالماً إلا إذا كان ورعاً، أمّا كمعلومات؛ فأيُّ إنسان يحصّل المعلومات، فهي ثقافة، أما قيمته ففي ورعه، والباب مفتوح، وكل إنسان ممكن أن يقتدي بهذا الإمام العظيم، وكلُّ إنسان يمكن أن يطلب العلم، ويتعلَّم, ويرقى عند الله، ودائماً المؤمن طموح، وعلو الهمّة من الإيمان، وهؤلاء الأعلام قدوة لنا, فأرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهؤلاء الذين مضوا إلى ربهم، وقد تركوا آثاراً عظيمة، والإنسان قيمته بما أحدث من أثر .
ذات مرة أخ من أخواننا حضر فترة طويلة عندنا، ثم توفي، أخبرني ابنه صباحاً توجهت إلى موعد الصلاة عليه في جامع في آخر الحي، فأبَّنه رجل من أهل العلم، ماذا قال؟ قال: أخوكم أبو فلان، كان مؤذناً، ترحموا عليه، أنا دهشت إلى هذا التأبين السريع، إذًا: ماذا سيتكلم؟ هل يتكلم عن مساحة بيته؟ عنده تزيينات من جبصين، أثاث فخم جداً، كل دنياه غير خاضعة للحديث عنه، قلت في نفسي: اعمل عملاً يستطيع المؤبِّن أن يتكلم عنك بأقل مِن خمس دقائق، أنت سوف تؤبن فلانًا، ماذا ستقول عنه؟ إذا لم يكن له عمل صالح، فليس له أثر ، إذًا: فلتكنْ لك خدمة في سبيل الإسلام، لتُذكَر من خلالها، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
((إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ؛ إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ, أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ, أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ))
[أخرجه الترمذي, النسائي, أبو داود, الدارمي في سننهم]
مرة سألت طلابي سؤالاً, فقلت: أعطوني اسمَ تاجر كبير, عاش في الشام عام ألف وثمانمائة وخمسة وسبعين، انتظرت دقيقتين, فلم يجب أحد منهم، فقلت لهم: وأنا لا أعرف أحدًا، أما سيدنا عمر، صلاح الدين الأيوبي، أبو حنيفة، الشافعي، أحمد بن حنبل، فهؤلاء الرجال ذِكْرُهم على الألسنة، مِن هنا قال سيدنا علي:
((يا بني، مات خزان المال، وهم أحياء, والعلماء باقون ما بقي الدهر))
يقولون لك: عُقِد قرانٌ في الشيراتون، كلف ستين مليونًا، فالحديث عن هذا العقد، وعن هذا البذخ, حديث بمعرض الذم لا المدح، دفعٌ وذلٌّ، يروون أن إنسانًا دفع ليرةً ذهب، وغداً يدفع ليرتين ليس لها قيمة إلا مع الإخلاص، ومهما أردت أن تنتزع إعجاب الناس بالمال, طريق مسدود، لا ارتقاء فيه .
وقد دعيتُ إلى عقد قران يوم الجمعة عقب صلاة الفجر بمسجد, وكان هناك تجلٍّ عمَّ الحاضرين، ومن دون صالات، من دون تكاليف، فالأمور كلما تبسطت, كلما كانت أقرب إلى الواقع، فاللهم ألهمنا الرشاد والسداد .
والحمد لله رب العالمين السيرة - سيرة الأئمة الأربعة : الإمام أبو حنيفة النعمان
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-07-14
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
مدخل إلى موضوع الدرس :
أيها الأخوة الكرام، أربعة دروس إن شاء الله من نوع جديد، نحن نسمع بأبي حنيفة النعمان، وبالإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، والإمام مالك، هؤلاء الأئمة الذين اجتهدوا ، واستنبطوا الأحكام الفقهية الفرعية من الآيات والأحاديث الشريفة، هؤلاء يجب أن نقف قليلاً عند مناقبهم، لا أقول عند سيرتهم، بل عند مناقبهم .
ففي هذا الدرس سيكون الحديث عن أبي حنيفة النعمان، وفي درس آخر عن الإمام الشافعي، وفي ثالث عن الإمام أحمد، وفي رابع عن الإمام مالك .
أيها الأخوة، نبدأ بالإمام أبي حنيفة النعمان، شيء أساسيٌ من خلال هذه المناقب, يتضح لكم: أن هؤلاء الأئمة العظام، الذين فتح الله عليهم، ووضعوا أيديهم على دقائق الشريعة ، وأحكامها التفصيلية، إذا نظرت إلى ورعهم، وإلى استقامتهم، وإلى التزامهم بأحكام الشرع, وجدتَهم قمماً في هذا الموضوع .
من مناقب الإمام أبي حنيفة النعمان :
1- الفقه :
فالإمام أبو حنيفة النعمان قيل عنه:
((من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عالة على أبي حنيفة))
يعني أنّ أبا حنيفة يقع في قمة الفقهاء، ليس غريباً: أن نرى أن مذهبه انتشر في الأمصار, حتى طبّق الآفاق، والشيء الذي لا يصدق: أن تلامذته هم الذين دونوا فقهه، وهذا يعني أنّ الإنسان حينما يصدق مع الله, ربما لا يتسع وقته للكتابة، لكن تلامذته الكبار هم الذين كتبوا، وقنَّنوا، وألَّفوا، ودرسوا، وحفظوا مذهبه .
أحد العلماء يقول:
((رأيت أعبد الناس، ورأيت أورع الناس، ورأيت أعلم الناس))
ورأيت أفقه الناس، ماذا نستنبط؟ الدين واسع جداً، ومهما كان الإنسان عبقرياً, فإنّه يأخذ منه بطرف، وأن يحيط الإنسان بالدين كله, فهذا شيء شبه مستحيل، إلا أن كل إنسان يتفوق في جانب, وُيلِمُّ بجانب آخر، يُلِمُّ بجانب، ويتفوق بجانب، ولعل أبي حنيفة جمع في نفسه كل هذه الجوانب .
هناك مثل لطيف يقول: تعلم كل شيء عن شيء، وشيئاً عن كل شيء، فما من مسلم متبحر في الدين, إلا له جانب يظهر فيه تبحره، إنسان تراه قمةً في التفسير، إنسان آخر تراه قمةً في علم الحديث، إنسان ثالث تراه قمةً في متن الحديث، إنسان متبحر في السيرة، إنسان متبحر في علم العقيدة، إنسان متبحر في الفكر المعادي للفكر الإسلامي، يرد على كل الشبهات ، إنسان متبحر في اللغة العربية التي هي وعاء هذا الدين، لذلك قالوا: العلماء ينبغي أن يكونوا متكاملين لا متنافسين .
أجمل معنى أن كل عالم تفوق في جانب، وأَلَمَّ بجانب، والإلمام غير التفوق، العالم الثاني تفوق في الجانب الذي ألمَّ به الأول، وكان في جانبه الأول ملماً، فلو جمعنا كل العلماء لوجدناهم متكاملين، لذلك قالوا : النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده، بينما أمته معصومة بمجموعها .
والحقيقة: أن كل إنسان إذا تفوق في شيء, فلا بد مِن حدٍّ أدنى في بقية الأشياء، إنسان مثلاً تفوق في علم الحديث, فلا بد من حدٍّ أدنى في علم الفقه، ولا بد من حد أدنى من علم التفسير، ولا بد من حد أدنى من علم السيرة، هناك حد أدنى وحدٌّ أعلى، تفوَّقَ في جانب وألمَّ ببقية الجوانب، هذا أكمل ما يسمى: بالثقافة الموسوعية، والثقافة الاختصاصية .
أحد العلماء يقول:
((رأيت أعبد الناس، ورأيت أورع الناس، ورأيت أعلم الناس، ورأيت أفقه الناس, -ماذا نستنبط؟- فأما أعبد الناس فعبد العزيز بن أبي رواد، وأما أورع الناس فالفضيل بن عياض، وأما أعلم الناس فسفيان الثوري، وأما أفقه الناس فأبو حنيفة))
أنا أتمنى على طلاب العلم الشباب أنْ يختار فرعًا ويتبحّر فيه، أنت طالب علم، تحضر مجالس علم، ألم يستهوك نوع من أنواع المعرفة الإسلامية؟ فاخترْ نوعاً، وتبحَّرْ فيه، ثم اقرأ عن كل شيء، فإذا اخترت نوعاً، وتبحرت فيه، ثم ألممت بكل شيء, جمعت بين الثقافة الموسوعية، والثقافة الاختصاصية، إذ ستصبح مرجعا في اختصاصك .
والحقيقة: أنّ قيمة العلم لا تعدلها قيمة، ورتبة العلم أعلى الرتب، أكبر شخص بالحياة لا ينجح إلا إذا استعان بالخبراء، فمَن هم الخبراء؟ هم العلماء، ترى القرار لا يتخذ إلا بعد أن توضع أمامه خيارات، هذا الخيار، وهذه مضاعفاته، وهذه نتائجه، لذلك قال بعضهم: اللهم ارزقني حظاً تخدمني به أصحاب العقول، ولا ترزقني عقلاً أخدم به أصحاب الحظوظ .
أبو حنيفة النعمان على طول باعه في العلم، ودقة استنباطه، وجولانه الرائع في الأحكام الفقهية، وكما هو في أعلى مستوى في الاستنباط، كان في أعلى مستوى في الورع، هذا الذي أردت أن أذكره لكم، أنّ الإنسان عندما يكون ورعاً, ينوِّر الله عز وجل بصيرته، ويلهمه الصواب، ويفتح الآفاق أمامه، بالتعبير الحديث تفجر طاقاته .
2- الورع :
قال عبد الله بن المبارك :
((ما رأيت أحداً أورع من أبي حنيفة))
وكلكم يعلم أن ركعتين من ورِع خير من ألف ركعة من مخلط، أما المخلط فهو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، العمل الصالح مع السيئ، الصالح له قيمة عند الله، لكن الصالح إذا اختلط مع السيء, لا تستطيع من خلاله أن تتصل بالله، لأن العمل السيء حجاب، فمثل هذا الإنسان قيمة، ولكن قيمة محدودة .
كما لو أن الإنسان اشترى عجلة سيارة، فهذه ليست سيارة, لن تستطيع أن تركبها، لن تستطيع أن تنطلق بها، لكن يمكن أن تبيعها، لها قيمة، ولكن محدودة، أما إذا ملكتَ مركبة متكاملة, فهذه تركبها وتسير بها، فالإسلام كمنهج متكامل ينقلك إلى الله، وتصل به إلى الله، تتصل بالله، تسعد بالله، تقطف ثمار هذا الاتصال، أما إذا اخترت أشياء من الإسلام أعجبتك، وهي هينة عليك، ولا تزعجك، وفعلتها, فقد تقطف ثمارها في الدنيا، أما أن تنقلك إلى الله, فهذا شيء صعب جداً، الإسلام منهج كامل، لا أقول لك: إما أن تأخذه كله، أو تدَعَهُ كله، هذا كلام أنا لا أقوله أبداً، ولكن ينبغي أن تأخذه كله، لأنّ الإسلام منهج, ينبغي أن تأخذه كله, من أجل أن تقطف ثماره، يعني الدارة يجب أن تستمر .
مثلاً: بيت فيه غسالة، مكيف، مسجلة، مروحة، براد، مكواة, فيه عشرون أو ثلاثون آلة كهربائية، إذا لم يكن التيار متصلاً، فكل هذه الآلات لا قيمة لها، أما حينما يتصل التيار, تعمل كل الآلات .
والحقيقة: أنّ تألق المسلم لا يكون إلا بطاعة الله، والإنسان يتألَّم أشدَّ الألم, حين يرى مسلمًا محجوبًا عن الله, لسبب تافه، لم ترتكب كبيرةً, ولم تقترف جريمةً، ولم تأكل مالاً حراماً ، ولم تقع في جريمة الزنا، ولا في جريمة السرقة، ولا شرب الخمر، لكن من أجل إطلاق البصر، وبعض المخالفات الاجتماعية، وبعض التساهلات في البيع والشراء، فهذه الذنوب الصغيرة تحجبك عن الله كالكبائر، فأنت مغبون جداً .
لذلك إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن رضي مما دون ذلك, مما تحقرون من أعمالكم، يقول لك: ماذا فعلنا؟ هذه لا شيء عليها، هذه الصغائر التي نصر عليها تنقلب إلى كبائر, لذلك قال عبد الله بن المبارك:
((ما رأيت أحداً أورع من أبي حنيفة))
3- العلم :
وقول شداد بن الحكيم:
((ما رأيت أحداً أعلم من أبي حنيفة))
العلم والورع، وإن بعض الناس قد يكون مع الخط العريض، مع السواد الأعظم، مع الدهماء، مع سوقة الناس، يحيط به عدد، يقول لك: سكان القطر ثلاثة عشر مليونًا، فلتكنْ عَلَمًا بينهم، أليس هناك أعلام في القطر ؟ لمَ لا تكون مِن هؤلاء الأعلام؟ هناك أعلام في الدنيا، وأعلام في الآخرة، هناك أعلام في الدنيا والآخرة، فالطموح من خصائص الإنسان، ما رأيت أحداً أعلم من أبي حنيفة .
وقال مكي بن إبراهيم:
((كان أعلم أهل زمانه))
وهنا نقطة دقيقة، كلنا ضعاف، كلنا لا نعلم، كلنا فقراء، كلنا لا حيلة لنا، لكنك إذا طلبت شيئاً صادقاً منحك الله إياه، فالتفاضل فيما بيننا لا في قدرات ذاتية أودعها الله فينا، لا، لكن التفاضل فيما بيننا في مدى صدقنا في طلبنا، اطلب أيها الإنسان, أتعجز أن تطلب مِن الله؟ أنا أعجب حينما يقول الله عز وجل في الحديث القدسي المروي عن أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ, حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ, نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا, فَيَقُولُ: هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ؟ هَلْ مِنْ دَاعٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
رب العزة يقول لك: يا عبدي, اسألني حاجتك، اطلب مني المغفرة, تُبْ لأتوب عليك ، استغفر لأغفر لك، نحن ضعاف, وربنا سبحانه وتعالى كريم، فلا تكن من دهماء الناس، ولا من سوقتهم، ولا من الخط العريض من المجتمع، ولا مع الأكثرية الجاهلة، ولا مع الأكثرية التائهة، ولا مع الأكثرية الضالة، كن مع الأقلية الواعية .
4- ما وصفه الواصفون :
قيل لأحدهم: صف لي أبا حنيفة، فقال:
((كان واللهِ شديد الذبِّ عن محارم الله - أي الدفاع, يعني أنت حجم إيمانك بحجم غيرتك على دين الله- طويل الصمت، دائم الفكر، لم يكن مهداراً ولا ثرثاراً, صائناً لدينه ونفسه، مشتغلاً بما هو فيه عن الناس, لا يذكر أحداً إلا بخير))
فقال أحد الخلفاء:
((واللهِ هذه أخلاق الصالحين))
كان والله شديد الذب عن محارم الله، طويل الصمت، والهَذَر يُوصَف به مَن كثر كلامه ، وكثر خطؤه، لكنّ أبا حنيفة طويل الصمت، دائم الفكر، لم يكن مهداراً، لا يهدر وقته بلا طائل، تقضي ساعتين أو ثلاثًا, لتشاهد أحداث قصة, فتتعب أعصابك، وتحطم نفسك، وتشتهي، ولا تستطيع، تنتهي وقد ضعفت قواك، وضعفت معنوياتك، هذا هدر للوقت، وانحدار عن الطريق الصحيح، صائناً لدينه ونفسه، مشتغلاً بما هو فيه عن الناس، فطوبى لمن شغله عيبُه عن عيوب الناس، لا يذكر أحداً إلا بخير .
النبي صلى الله عليه وسلم علمنا، والسيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام, كان مع الحواريين، فإذا بجيفة في الطريق، فقالوا:
((ما أشد نتن ريحها! فقال: ما أشد بياض أسنانها))
أنت من الممكن أن تكتشف في الإنسان النواحي الإيجابية، وهذا أعظم شيء في الإنسان، هناك شخص قناص، يبحث عن الأخطاء, وعن العيوب، وعن نقاط الضعف في الإنسان، فيكبرها، ويشهر بها، ثم يفضحها، لكنْ هناك إنسان يبحث عن الإيجابيات، فيقدرها، وينميها، ثم يرعاها، وهذا هو المؤمن، يقرِّب ولا يبعِّد، ينمي ولا يحطم، يأخذ بيد الآخرين، ولا يعيب عليهم، ولا يبني مجده على أنقاضهم، ولا يذكر أحداً إلا بخير، فقال الخليفة هارون الرشيد:
((هذه والله أخلاق الصالحين))
5- أبو حنيفة لا يغتاب أحداً :
قال ابن المبارك أيضاً:
((ما أبعد أبي حنيفة من الغيبة، ما سمعته يغتاب عدواً قط))
طبعاً إلا إذا سئل، وعندنا رخص أساسية؛ كزواج، أو شراكة، أو إنسان مبتدع، ظلامة، أمّا سوى ذلك فكان ينزه لسانه عن غيبة أعدائه .
فقال سفيان:
((هو واللهِ أعقل من أن يُسَلِطَ على حسناته ما يذهب بها))
المشكلة أحيانا يطالعك حديث شريف صحيح تقرؤه، فمِن ضعف الإيمان لا تشعر أن هذا الحديث واقع مائة بالمائة، أما قال سيدنا سعد بن أبي وقاص:
((ثلاث أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، من هذه الثلاثة: ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى))
النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد بأحاديث كثيرة: أن الذي يغتاب الناس يوم القيامة يأخذ الذين اغتابهم من حسناته، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
((هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي, مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, فَيُقْعَدُ؛ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ, فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّار))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
لذلك كما قال بعض الصالحين:
((لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي لأنهم أولى بحسناتي))
وقال أحدهم أيضاً:
((أيعقل أن أغتاب أحداً فأمكنه من حسناتي؟))
عندي عقل سليم، يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً: أنك إذا اغتبت إنساناً سوف يقف يوم القيامة ليأخذ من حسناتك، فإذا فنيت هذه الحسنات طرح عليك من سيئاته .
ديننا استقامة، ديننا التزام، ديننا حسن ظن .
6- لا يأخذ الحديث إلا بما صح عن رسول الله :
أيضاً من خصائص هذا الإمام العظيم: أنه يأخذ بما صح عنده من الأحاديث التي يحملها الثقاة، ومِن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن هذا العلم دين؛ فانظروا عمن تأخذون دينكم، وهناك أحاديث كثيرة موضوعة، هذه تفرّق، وتشتت، وتضيع، يجب أن تحرص على صحة الحديث كما تحرص على سلامة دينك، لأن الدين في الأصل نقل، وأخطر ما في النقل صحَّتُه، لو اكتفينا بالصحاح لاجتمعنا بعد التفرق، لأحب بعضنا بعضاً، لكن ما من انحراف في السلوك, أو في العقيدة, إلا أساسه حديث ضعيف أو موضوع، الأحاديث التي وضعها الوضَّاعون هي التي تفرقنا، هي التي تضعفنا، هي التي تشتتُ شملنا، أما القرآن والسنة كما قلت من قبل، وأقول الآن: هما اللذان يجمعاننا .
وأنا أقول ولعله من باب المبالغة، قال بعضهم:
((صلى أبو حنيفة فيما حفظ عليه صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنةً))
يعني أنه ما نام أبداً, فهذا خبرٌ يطرح تساؤلاً، لأن الإنسان له طاقة، وله خصائص .
لقد سمعت قولاً لسيدنا عمر، أو قصة له, أحجمتُ عن ذكرها مدة طويلة، ما توازنت مع العقل، خلاصتها: أنه لما جاءه من أذربيجان رسول عاملِه عليها، ودخل المسجد ليلاً, ولم يذهب إلى بيته, لئلا يوقظه، فرآه في المسجد، قال:
((من أنت؟ قال: أنا عمر، قال: أمير المؤمنين، قال: نعم، قال: يرحمك الله ألا تنام الليل؟ -فالنص الذي كنت قد قرأته سابقاً- قال له عمر: إني إن نمت ليلي أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي))
معنى هذا أنه لا ينام الليل ولا النهار، وهذا فوق طاقة البشر, فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
((... أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))
[ أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
فليس من المعقول مِن إنسان لا ينام أبداً، بل إذا لم ينَم الإنسان يومين يختل توازنه، قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً﴾
[ سورة النبأ الآية: 9-10]
فهذه الرواية -واللهُ أعلم- أنه صلى صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة مبالَغ فيها .
وعن أبي يوسف قال:
((بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلاً يقول لرجل: هذا أبو حنيفة الذي لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: والِله لا يتحدث الناسُ عني بما لا أفعل))
هذه الثانية توضح أن الأولى مبالغ بها .
فكان يحيي بعضاً من الليل؛ صلاةً، ودعاءً، وتضرعاً، هذه الرواية صحيحة، وتتوافق مع المنطق .
7- شهادة الناس له بالخير :
ويقول بعضهم:
((ما رأيت رجلاً خيراً من أبي حنيفة))
المؤمن الصادق مصدر خير، مصدر أمن، مصدر عطاء، بنى حياته على العطاء، محب للخير، وكما قيل: ألسنة الخلق أقلام الحق، فإذا أثنى على الإنسانِ الناسُ جميعاً, فهذا دليل صلاحه، لذلك حينما أثنى بعض الصحابة على إنسان توفي زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال النبي: وجبت، أيْ وجبت له الجنة، كما روى البخاري:
((... أَيُّمَا مُسْلِمٍ, شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ, أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ, قُلْنَا: وَثَلاثَةٌ, قَالَ: وَثَلاثَةٌ, قُلْتُ: وَاثْنَانِ, قَالَ: وَاثْنَانِ, ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
ما دام الناس يثنون عليه هذا الثناء, ففي الأعم الأغلب أنه صالح، لذلك قالوا: ما رأيت رجلاً خيراً من أبي حنيفة، وأبو حنيفة أفضل أهل زمانه .
8- من صفاته أيضاً: أنه يكثر الصلاة, ويعظم الأمانة, وأنه صاحب مروءة :
وقال ابن عيينة:
((كان أبو حنيفة أكثر الناس صلاةً))
الصلاة عماد الدين، وفي الدين قضية هامة، أنه مبني على شيئين؛ على سلوك صحيح، وعلى اتصال بالله، وأحياناً الإنسان يميل إلى الضغط، ويميل إلى فهم الدين فهمًا مضغوطًا، قال الله عز وجل:
﴿وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً﴾
[ سورة مريم الآية: 31]
الدين حركة نحو الله، وحركة نحو الخلق، نحو الخلق خدمةً، ونحو الله اتصالاً، إذا أردت أن تلخص الدين كله في كلمتين: فهو إحسان للمخلوقين، واتصال بالخالق، لذلك قال ابن عيينة:
((كان أبو حنيفة أكثر الناس صلاةً، وأعظمهم أمانةً، وأحسنهم مروءةً))
وفي الحديث الصحيح عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
((مَا خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, إِلا قَالَ: لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ, وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ))
[ أخرجه أحمد في مسنده]
أحياناً الإنسان يهدر دينه كله بكلمة، كلمة كذب، بإخلاف وعد, بنقض عهد، بخيانة أمانة، يهدر دينه، قولوا له: إنه أبطل جهاده مع رسول الله .
بصراحة هناك أعمال إذا فعلها الإنسان, تحوِّل عباداتِه وأعمالَه الصالحةَ إلى الحاوية، صلاته، وصيامه، وأذكاره, وحضور المساجد، إذا كان يغدر، يأخذ ما ليس له، يكذب، يحتال، إنسان تمكن بقوته أن يأخذ بيتاً ثمنه خمسة عشر مليوناً بتسعمئة ألف، بعد أن تملكه، بل بعد أن اغتصبه, عرضه للبيع بخمسة عشر مليون, وهو لا يقطع الصلوات في المساجد، السيدة عائشة تقول: قولوا له:
((إنه أبطل جهاده مع رسول الله))
قولوا لمثل هذا الإنسان: إنه أبطل عمله، وأبطل صلاته .
دقق أيها الأخ، من علامات آخر الزمان: أن الإنسان يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ، يبيع دينه بيمين غموس كاذبة، يبيع دينه ببيت يغتصبه، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
[ سورة التوبة الآية: 24]
قال ابن عيينة:
((كان أبو حنيفة أكثر الناس صلاةً، وأعظمهم أمانةً، وأحسنهم مروءةً))
عندنا في ميزان الأخلاق: كلمة مروءة، وكلمة لؤم .
والحقيقة: هذه أخلاق جامعة؛ الخسة، والدناءة، والبخل، والكبر، والأنانية، تُجمَع في كلمة لؤم, بينما الكرم، والعطف، والرحمة، والشفقة، والشجاعة، والإقدام، والعفو، تجمع في كلمة مروءة، فالمروءة مجمع الفضائل، واللؤم مجمع الرذائل .
لذلك فالذي سرق الفرس قال له صاحبها:
((لقد وهبت لك هذه الفرس، ولن أسأل عنها بعد اليوم، ولكن إياك أن تُشيعَ هذا الخبر في الصحراء، فتذهب منها المروءة، وفي ذهابها يذهب أجمل ما فيها))
حياتنا أجمل شيء فيها؛ أنْ يكون لك جار محب، إذا سافرت يحفظ أهلك، أجمل شيء في الحياة؛ أخ في الله معك دائماً, يعينك، سند لك، مستشار لك، معين بأفكاره، بعواطفه ، بماله، بنصيحته، الحياة من دون قيم, لا قيمة لها، والحياة من دون تعاون, جحيم لا رحمة فيها، والحياة من دون حب, لا خير فيها .
ذات يوم أقيم حفل وداع لأستاذ في الجامعة، كان أستاذا لنا، الحفل كان موفقاً جداً، بعد أن أُلقِيت الكلمات في الإشادة بعلمه وفضله, قام هو خطيباً، فقال: كل إنسان لا يشعر بحاجة إلى أن يُحِب الآخرين، أو أن يُحَب مِن قِبَل الآخرين، ومن لا يحِب ولا يُحَب, فليس من بني البشر, ليس إنسانًا، بل هو وحش شرس .
يجب أن تشعر بحاجة هي أن تحِب، ماذا تحِب؟ أن تحب الله، أن تحب الحقيقة، أن تحب الأنبياء الكُمَّل، قمم البشر، أن تحب المؤمنين، أن تحب الكاملين، أن تحب المحسنين، إذا كان قلبك لا يخفق بحبٍ لإنسان كامل, فأنت لست من بني البشر، وينبغي أن تشعر بحاجة لا إلى أن تُحِب فحسب، بل إلى أن تُحَب أيضًا، يجب أن تعطي من وقتك، ومن مالك، ومن عواطفك، ومن مشاعرك، ومن نصيحتك، فالإنسان الذي لا يجد في نفسه حاجة إلى أن يُحِب، ولا إلى أن يُحَب, فهذا ليس من بني البشر .
حياة من دون حب, كزرع بغير ماءٍ، حياة من دون قيم, لا قيمة لها، من دون أخ في الله, صادق لا يكذبك، صالح لا يخونك، مخلص نحوك, لا خيرَ لها، أنتم لا تعرفون قيمة أن يكون لك أخوة في المسجد، هذه نعمة، واللهِ لا تقدر بثمن .
مرة جاءتني بطارية تُشحن بالكهرباء، فلم أشحنها، وأنا بحاجة إلى أن أستعملها, ترى ضوءها خافتًا، يكاد ينطفئ، وحينما أشحنها جيداً, يصبح ضوءها كالشمس, قلت: هذا حال المؤمن أيضًا، فلا بد له من شحن، أنت لا تقلل من قيمة هذا الدرس، درس العلم شحن، تشحن عواطفك، تشحن مشاعرك، تشحن أفكارك، تأخذ طاقة جديدة وتُغسَل أيضاً، لأنك دخلت إلى بيت الله عز وجل، ألا إنّ الإنسان إذا دخل بيت جاره أو صديقه, فإنّه يكرمه, ويضيفه، ولو بالماء، فالحد الأدنى شربة ماء, وإذا دخلت إلى المسجد, فأنت في بيت من بيوت الله، وحقٌّ على المزور أن يكرم الزائر، لكن الله لا يضيفك شيئًا تأكله، بل يقذف بالسعادة, فإذا هي تملأ نفسك طمأنينة، وتوفيقًا في حياتك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ, وَإِذَا خَرَجَ, فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ))
[ أخرجه مسلم في الصحيح]
9- أمانته :
قال ابن عيينة:
((ما رأيت أحسن أمانة من أبي حنيفة، مات وعنده ودائع بخمسين ألفاً، فما أضاع منها دينارًا واحدًا))
وقد تشعر أن فلاناً إن استودعته مالك, فكأنه في جيبك، هذا شعور دقيق، بأنه لا يمكن أن يخون الأمانة، هذا الإيمان .
فأخواننا التجار يكون عندهم موظفون، يقول لك: هذا الموظف أخطاؤه كبيرة، ولكن له ميزة كبيرة جداً، أنه أمين، هذه تُنسِي كل سيئة، أنا من باب التعليقات أقول لمن عنده عمل تجاري، أو عمل صناعي، وعنده موظفون: إذا عندك رجل أمين وذكي، فمهما أغدقت عليه، فأنت الرابح، أمّا إذا كان ضمن العمل موظف قليل أمانة, فهذه مشكلة كبيرة جداً .
10- حلمه :
يقول ابن المبارك:
((ما رأيت رجلاً أحلم من أبي حنيفة، ولا أحسن سمتاً منه))
لقد كاد الحليم أن يكون نبياً، لأنّ الحلم سيد الأخلاق، وإنّه مهما اُسْتُفِزَّ الحليمُ لم يُسْتَفَزَّ، أحياناً تجد إنساناً كالسفينة في عباب الماء، كأنها جبل، الأمواج الصغيرة تتكسر على جدرانها، أما القارب الصغير فأقلُّ موجة تقلبه، فهناك إنسان كالقارب الصغير، وهناك إنسان كالسفينة الشامخة، كأنها جبل في البحر، هناك شخص لا تهزه الأحداث، ولا تستخفه التقلُّباتُ، وهناك إنسان تستخفه الدنيا، إذا آتاه الله منها شيئاً فوق طاقة تحمله, اختلَّ توازنُه .
11- التشبيه الذي وصف به أبو حنيفة :
قال:
((كان أبو حنيفة بين العلماء كالخليفة بين الأمراء))
أيْ كان سيد العلماء، ومن علامات فهمه الدقيق أنْ قيل عنه:
((كان أبو حنيفة رجل فهمٍ متثبتاً، إذا صح عنده الخبر عن رسول الله, لم يَعْدُهُ إلى غيره))
ممكن أن تذكر لإنسان حديثًا صحيحًا قطعيَ الدلالة، ويفكر بكلام شخص معاصر, أن هذا الكلام أصح من كلام رسول الله, معنى هذا أنه لا إيمان له إطلاقاً، قال تعالى:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 65]
فعلامة الإيمان أن تستسلم لحكم رسول الله، وهذه آية ثانية:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾
[ سورة الأحزاب الآية: 36]
قضية بَتَّ فيها القرآن، وقضية أدلى بها النبي العدنان، لمجرد أن تضعها على بساط البحث، وأن تخضعها للمناقشة، فأنت لست مؤمناً، لأنه ما كان لمؤمن ولا لمؤمنة الخيرة في ذلك .
12- علمه بتفسير الحديث :
وعن أبي يوسف:
((ما رأيت أحداً أعلم بتفسير الحديث من أبي حنيفة، كان مثلاً يقول في مسألة: ما عندكم فيها من الآثار؟ فنذكر ما عندنا ويذكر ما عنده؛ ثم ينظر فإن كانت الآثار في أحد القولين أكثر, أخذ بالأكثر، وإن تكافأت أو تقاربت, نظر فاختار))
استنباط الحكم الفقهي، قد تجد أشخاصًا يريدون أن يفهموا الأحكام الفقهية من الحديث مباشرةً، دون أن يعودوا إلى هؤلاء العلماء الكبار، كأنهم أهدروا عمل ألف عام، وهذا مثل يصح في هذا المجال، لو أردنا أن نصنع طائرات الآن، واستقدمنا إلى بلادنا أعظم معمل، فهل نبدأ بصنع طائرةٍ من تجربة العباس بن فرناس، أم من تجربة أحدث شركة طيران؟ هل من المعقول أن تهدر جهود ألف عام على الأرض، وتبدأ من العباس بن فرناس، وتصنع لنفسك جناحين، ثم تهبط ميتًا، أم تأخذ أحدث شركة، وتنظر أين وصلوا؟ فإذا أحَبَّ الإنسان أن يلغي كل الفقه، وكل الاجتهاد، ويبحث هو عن الحكم الشرعي من الحديث مباشرةً، فكأنه أهدر جهود العلماء في ألف وخمسمئة عام .
لذلك كان أبو حنيفة كما قيل:
((ما رأيت أحداً أعلم بتفسير الحديث من أبي حنيفة))
13- اجتهاده :
قال:
((كنا نختلف في المسألة، فنأتي أبا حنيفة، فنسأله، فكأنما يخرجها من كمه فيدفعها إلينا))
أحيانا الإنسان يفكر، ويقول: اتركها لي, حتى أراجعها، وقد تطرح سؤالاً على إنسان، وتجد الجواب جاهزًا، كأنه أمامه، كأنه أخرجه من كمه، هذه علامة علم عالية، علم راسخ .
سمعت أبا حنيفة يقول:
((ما جاء عن رسول الله فعلى العين والرأس - لأنه معصوم-, وما جاء عن أصحاب رسول الله اخترنا -لأنهم غير معصومين -, وما كان غير ذلك, فنحن رجال وهم رجال))
14- صنعته :
قالوا:
((كان أبو حنيفة خزازاً))
فروي أن رجلاً جاءه, فقال:
((يا أبا حنيفة، قد احتجت إلى ثوب خز، قال: ما لونه؟ قال: كذا وكذا، قال: اصبر حتى يقع، وآخذه لك، فما دارت الجمعة حتى وقع، فجاء الرجل وقال له أبو حنيفة: قد وقعت على حاجتك، ثم أخرج إليه ثوباً، فأعجبه ، قال: يا أبا حنيفة, كم أزن للغلام؟ قال: درهماً، قال: أتهزأ بي؟ قال: لا، والله إني اشتريت ثوبين بعشرين ديناراً ودرهمًا، فبعت أحدهما بعشرين ديناراً، وبقي هذا بدرهم، وما كنت لأربح على صديق, فأخذه))
يعني أعطاه إياه بدرهم، لأنه قال له: يا أبا حنيفة أحسن بالبيع .
جاءت امرأة إلى أبي حنيفة بثوب تعرضه عليه, قال:
((بكم تبيعينه؟ قالت: بمائة درهم، قال لها: هو خير من ذلك، قالت: بمائتين، قال: هو خير من ذلك، قالت: بثلاثمائة، قال: هو خير من ذلك، قالت: بأربعمائة، قال: هو خير من ذلك، وأنا آخذه بأربعمائة، حتى أربح به))
كان لأبي حنيفة شريك، فباع شريكه متاعًا، وكان في هذا المتاع عيبٌ، فقال له:
((إذا بعت هذا الثوب, فأَبِنْ عيبه، فالشريك باعه، ولم يُبِنْ عيبه، فلما علم أبو حنيفة, تصدَّق بثمن المتاع كله))
لأنّ البيع صار فيه شبهة، ولم يعرف من اشتراه, ليبيِّن له العيب .
15- تقاه :
وقال عنه يحيى بن سعيد:
((كنت إذا رأيت أبا حنيفة علمت أنه يتقي الله))
الحقيقة: يجب ألاّ نقول عن إنسان: إنه صاحب دين, إذا كان يصلي فقط، بل يجب أن ترى دينَه في حديثه، وفي غض بصره، وفي استقامته، والدين لا يؤخذ من عبادات شكلية ، بل يؤخذ من سلوك يومي .
16- العقل الذي كان يتمتع به :
قال:
((لو وُزِنَ عقل أبي حنيفة بعقل نصف أهل الأرض لرجح بهم))
هذه من نعم الله الكبرى: أن يؤتى الإنسان عقلاً راجحاً، وكان أبو حنيفة يتبين عقله؛ في منطقه، ومشيه، ومدخله، ومخرجه .
يقول أبو حنيفة نقلا عن أبي يوسف, قال: قال لي أبو حنيفة:
((لا تسألني عن أمر الدين، وأنا ماش، ولا أنا قائم، ولا أنا متكئ، فإن هذه الأماكن, لا يجتمع فيها عقل الرجل))
فالإنسان أحيانا بعد خطبة مضنية, يُسأَل سؤالاً متعلقًا بالرضاع، أو بالميراث، فليعلمْ هذا الإنسان أنّ السؤال يحتاج الجواب عنه إلى فترةِ هدوء، وجلسة، وكتابة، أما أنْ يسأل وهو ماشٍ سؤالاً معقَّدًا في المواريث، فالإنسان السائل من حكمته أن يسأل في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب، وفي الحالة المناسبة، فقد يطرح الإنسان سؤالاً في وقت غير مناسب، ويشعر أن الجواب مضطرب، لأن الوقت غير مناسب، والمكان غير مناسب، والحال غير مناسب، فلا تسألني عن أمر الدين، وأنا ماش، ولا أنا قائم، ولا أنا متكئ، فإن هذه الأماكن لا يجتمع فيها عقل الرجل .
ومرة أجاز أبو جعفر المنصور أبا حنيفة بثلاثين ألف درهم, فلما قدم عليه بغداد قال:
((يا أمير المؤمنين، إنني غريب في بغداد، وليس لي منزل، فاجعلها في بيت المال، وليس عندي مكان أحفظها فيه, فإذا خرجت من بغداد أخذتها، قال له أبو جعفر: ليكن ذلك، فلما مات أبو حنيفة أخرجت ودائع الناس من بيته، فقال أبو جعفر: لقد خدعنا أبو حنيفة))
يعني ما أخذ المال، وأعاده إليه بلطف .
مرة كان أبو حنيفة عند أبي جعفر المنصور، وعنده قاضٍ من أعداء أبي حنيفة، كان ينكر عليه، فسأله سؤالاً محرجًا، قال له:
((إذا أمرني الخليفة بقتل امرئ، أأقتله أم أتريث؟ -سؤال محرج, إذا قال له: لا تقتله، واعصِ أمرَ الخليفة, وقع في مشكلة، وإذا قال له: اقتله فقد أغضب الله عز وجل- قال له الخليفة: على الحق أم على الباطل في هذا الأمر؟ فالكرة رُدَّت إلى القاضي، فقال له: على الحق، فقال له: كن مع الحق، فلما خرج, قال أبو حنيفة: أراد أن يقيدني فربطته))
قال له مرةً أبو جعفر:
((يا أبا حنيفة لو تغشيتنا, تعال إلى عندنا, قال: ولمَ أتغشاكم، وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه، وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء؟ قال له: إنك إن قربتني فتنتني, وإن أبعدتني أزريتني))
أيْ حقرتني .
ومرة دخل عليه خارجيان، والخوارج يُكَفِّرون بالذنب الصغير، فقالا له، وسيوفهما عليه ليقتلا:
((فلان فعل كذا وكذا، مسلم أم كافر؟ فإذا قال لهم: كافر قتلوه، وإذا قال لهم: مسلم, قتلوه أيضًا، -لأنهم يعتقدون أنه كافر- فقال لهم: هذا الرجل يهودي أم نصراني؟ فقالا: لا, هو مسلم، قال: هذا هو الجواب، لقد أوتي عقلاً راجحاً))
ويعني أن المتهم لديهم مسلم ، ولا يُقتل .
وفاته :
أيها الأخوة الكرام، قالوا:
((يوم مات أبو حنيفة, صُلِّيَ عليه ست مرات, من كثرة الزحام، وكان الناس يزورون قبره أكثر من أربعين يوماً بعد وفاته))
وروى أحدهم أنه رأى أبا حنيفة في النوم بعد موته، قال:
((يا أبا حنيفة, إلام صرت؟ قال: إلى رحمة الله تعالى، قلت: بالعلم، قال: هيهات للعلم شروط وآفات، قَلَّ من ينجو منها، ولكن بمَ؟ قال: بقول الناس ما لم أكن عليه))
يعني بما كان يُعمل من علمه، فبهذا نجا .
الخاتمة :
أردت من هذا الدرس أن نأخذ فكرة عن هذا الفقيه الكبير، الذي يتردد اسمه على الألسنة كثيراً في كل يوم، أخي أنا حنفي، هذا مذهب أبي حنيفة، أبو حنيفة كان على قدر علمه, كان ورعاً عاملاً مطَبِّقًا، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هؤلاء العلماء الكبار العاملون قدوةً لنا في حياتنا .
والحمد لله رب العالمين
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire